أحمد الفاروقي السرهندي

265

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

حقّ شخص لا يستحقّه ولا يكون أهلا له ووضع الشّيء في غير موضعه ظلم وفرق بين شيء وشيء وتفاوت بين موضع وموضع فيكون بين ظلم وظلم بونا بعيدا ( وخلافة ) ذي النّورين رضي اللّه عنه ثابتة بإجماع الصّحابة الكرام وبإتّفاق صغار ذلك القرن الذي هو خير القرون وكبارهم وذكورهم وإناثهم ولهذا قال العلماء : إنّ الاتّفاق والإجماع الذي وقع في خلافة ذي النّورين لم يتّفق في خلافة أحد من سائر الخلفاء الثلاثة فإنّه لمّا كان في بدء خلافته نوع تردّد راعى أهل ذلك القرن في تلك المادّة احتياطا كثيرا ثمّ أقدموا عليها ( ينبغي أن يعلم ) أنّ الأصحاب الكرام رضي اللّه تعالى عنهم مبلّغو الكتاب والسّنّة وكان الإجماع أيضا منوطا بقرنهم فلو كان جميعهم أو بعضهم متّصفين بالضّلالة والفسق يرتفع الاعتماد عن كلّ الدين أو بعضه وتكون فائدة بعثة خاتم الأنبياء وأفضل الرّسل قليلة وجامع القرآن المجيد هو حضرة عثمان بل حضرة الصّدّيق وحضرة الفاروق رضي اللّه تعالى عنهم فلو كان هؤلاء مطعونا فيهم ومسلوبي العدالة أيّ اعتماد يبقى على القرآن وبأيّ شيء يكون الدين قائما ينبغي أن يتأمّل في شناعة هذا الامر أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كلّهم عدول وكلّ ما بلغنا بتبليغهم حقّ وصدق والمخالفات والمنازعات الواقعة في زمن خلافة عليّ رضي اللّه تعالى عنه لم تكن من جهة الهوى والهوس ولا لأجل حبّ الجاه والرّياسة بل كانت على وجه الاجتهاد والاستنباط وإن كان في اجتهاد واحد منهم خطأ واستنباطه بعيدا عن الصّواب ومن المقرّر عند علماء أهل السّنّة والجماعة رضي اللّه تعالى عنهم أنّ المحقّ في تلك المحاربات والمشاجرات كان عليّا كرّم اللّه وجهه ومخالفوهم كانوا على خطأ ولكن لمّا كان منشأ هذا الخطأ الاجتهاد كان صاحبه بعيدا عن الطّعن والملامة عليه والمقصود حقّيّة جانب عليّ وخطأ جانب مخالفيه وأهل السّنّة قائلون بذلك واللّعن والطّعن زيادة بلا فائدة بل متضمّنة لاحتمال الضّرر فإنّهم أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنهم وبعضهم مبشّر بالجنّة وبدريّ مغفور له والعذاب الاخرويّ مرفوع عنه كما ورد في الأحاديث الصّحاح " إنّ اللّه اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإنّي غفرت لكم " . وبعضهم تشرّف ببيعة الرّضوان وقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم " لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشّجرة " بل قال العلماء : يفهم من القرآن المجيد أنّ جميع الصّحابة من أهل الجنّة لقوله تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ « 1 » والحسنى هي الجنّة فكلّ صحابيّ أنفق وقاتل قبل الفتح وبعده موعود له بالجنّة قالوا : إنّ صفة الإنفاق والقتال ليست للتّقييد بل للمدح فإنّ جميع الصّحابة كانوا متّصفين بهاتين الصّفتين فكلّهم يكونون موعودا لهم بالجنّة فينبغي الملاحظة إن ذكر أمثال هؤلاء الأكابر بشرّ وسوء الظّنّ بهم فكيف يكون من الإنصاف والديانة .

--> ( 1 ) - الآية : 10 من سورة الحديد .